لبنى عفانة قائدة تربوية ترسم ملامح المناهج الوطنية وتنطلق من جامعة العين نحو صناعة أثرٍ تعليمي مستدام
نبذة تعريفية
معكم الأستاذة لبنى صلاح الدين موسى عفانه، أشغل حاليًا منصب رئيس قسم المناهج الوطنية بالإنابة في مدارس الإمارات الوطنية. أمتلك خبرة تمتد لأكثر من ثمانيةٍ وعشرين عامًا في ميدان التعليم ضمن المدارس الدولية وبرامج البكالوريا الدولية، وأعمل كذلك مدربة قرائية متخصصة في تدريب المعلمين وتطوير استراتيجيات وطرائق التدريس.
أكرّس جهودي لتطوير المناهج الوطنية وتحديث محتواها بما ينسجم مع مهارات العصر، وأحرص على دعم الممارسات الصفّية من خلال تمكين المعلمين وتزويدهم بأساليب تدريس حديثة تُعزّز التفكير واللغة والهوية الوطنية، وتتماشى مع متطلبات التحول الرقمي في التعليم، حيث يقوم عملي على منهجية واضحة تركّز على جودة المنهج وفاعلية تطبيقه داخل الصفوف الدراسية، مع متابعة مستمرة تهدف إلى رفع مستوى كفاءة العملية التعليمية وتحقيق أثر ملموس على تعلم الطلبة، وتمثل توجهاتي التربوية امتدادًا لرؤية شمولية تربط بين تطوير المناهج الوطنية وتوظيف الذكاء الاصطناعي كأداة داعمة للارتقاء بجودة التعليم، بما يضمن تعليمًا نوعيًا ومستدامًا يواكب المستقبل.
مسيرتي الدراسية
بدأتُ مسيرتي العلمية بالحصول على دبلوم من كلية المجتمع في الأردن، وكان ذلك الخطوة الأولى التي عززت ارتباطي بمجال التعليم ورسّخت رغبتي في متابعة طريق المعرفة، ومع اتساع شغفي باللغة العربية وعلوم التربية، التحقتُ بجامعة العين لدراسة بكالوريوس التربية في إعداد معلم اللغة العربية والتربية الإسلامية، وتخرّجت بدرجة الامتياز، وهي مرحلة شكلت نقطة تحول مهمة في وعيي التربوي وتوجهي المهني.
ولأنني مؤمنة بأن النمو المهني يبدأ بالتعلم المستمر، واصلت دراستي العليا في جامعة العين أيضاً، فحصلت على درجة الماجستير في مناهج اللغة العربية وطرائق تدريسها بدرجة امتياز. تناولت أطروحتي الموسومة بـ أثر استراتيجية تدريسية قائمة على نظرية التلقي في تحسين مهارات القراءة التفسيرية وتطوير الذات لدى طلبة الحلقة الثالثة في مدارس إمارة أبوظبي، وقد أتاح لي هذا البحث فرصة التعمّق في قضايا تعليم اللغة العربية واستراتيجيات تطوير مهارات الفهم القرائي لدى الطلبة، والبحث عن أساليب تدريس مبتكرة تُحفّزهم على التفاعل النشط مع النصوص، كما سعيت من خلاله إلى استكشاف استراتيجية تعليمية تُلهم الطلبة وتعيد للقراءة حضورها بوصفها فعلاً إبداعيًا وتفاعليًا، يمكّن المتعلّم من أن يكون قارئًا واعيًا منتجًا للمعنى، لا مجرد متلقٍّ للنص.
جامعة العين وأثرها الأكاديمي
جامعة العين بالنسبة لي لم تكن مجرد مؤسسة تعليمية، بل كانت محطة بناء وتشكيل؛ ففي رحابها تطور شغفي، ونمت مهاراتي، وتأسست قاعدة معرفية قوية كان لها الأثر الأكبر في نجاحي المهني اليوم، وجدت فيها كل الدعم والتوجيه والمساندة، ولا يسعني إلا أن أتوجه بالشكر الجزيل لهيئتها الإدارية والتدريسية على جهودهم المخلصة، كما أخص بالشكر الدكتورة الفاضلة سعاد عبد الكريم الوائلي على ما قدمته لي ولزملائي من دعم وتوجيهات بناءة كان لها أثر بالغ في مواصلة مسيرتنا العلمية بثقة وتميّز، وأسأل الله أن يجزيها خير الجزاء.
المسيرة المهنية والتطور الوظيفي
بدأتُ مسيرتي المهنية في التعليم قبل أكثر من ثمانيةٍ وعشرين عامًا، وخلال هذه الرحلة تدرّجت في عدد من المناصب التربوية التي أسهمت في صقل مهاراتي التعليمية والإشرافية، ومنحتني خبرة عملية واسعة داخل المجتمع المدرسي. كانت بدايتي معلمةً للغة العربية والتربية الإسلامية، حيث اكتسبت خبرة ثرية في التخطيط والتدريس وتطوير أداء الطلبة.
ومع تطوّر خبرتي وشغفي بتجويد التعليم، حصلت على شهادة مدرب قرائية معتمد، مما أتاح لي الانتقال إلى الإدارة المركزية كـ مدربة قرائية. من خلال هذا الدور قدّمت ورشاً تدريبية متخصصة للمعلمين، وشاركت في تقييم الممارسات الصفّية وتحسينها، وأسهمت في بناء بيئة تعليمية داعمة تُعزّز جودة التعليم اللغوي وتدعم التطوير المهني المستمر في المدارس.
لاحقاً، تدرّجت في المسؤوليات حتى تولّيت منصب رئيس قسم المناهج الوطنية بالإنابة في مدارس الإمارات الوطنية، وفي هذا الدور أشرف على تطوير المناهج الوطنية وضبط جودة التعليم، والارتقاء بجاهزية المدارس للحصول على تقدير امتياز في التفتيش الخارجي، إلى جانب قيادة تطوير الامتحانات المركزية وتعزيز مواءمتها للمعايير الوطنية، كما أُمثّل القسم في المؤتمرات والمعارض والمسابقات الوطنية والدولية، وهو ما عزّز رؤيتي القيادية وأسلوبي في إدارة الفرق التربوية وتطوير الأداء المؤسسي بشكل مستدام.
سبب اختيار التخصص والطموحات المستقبلية
اخترتُ مجال اللغة العربية والدراسات الإسلامية عن قناعة راسخة بأن اللغة والهوية هما أساس بناء الإنسان والمجتمع، وأن ترسيخ مهارات اللغة وتعميق قيم الهوية يشكّلان حجر الأساس في تكوين أجيال واعية قادرة على التفكير والإبداع، وقد وجدتُ في هذا التخصص بيئة تجمع بين المعرفة والقيم، وبين الرسالة التربوية ودور المعلم في بناء الشخصية المتوازنة.
ومع اتساع خبرتي في المدارس الدولية وبرامج البكالوريا الدولية، ازدادت قناعتي بأن تطوير المنهج ورفع جودة التدريس يتطلبان تعلّمًا متخصصًا، وهو ما دفعني إلى دراسة ماجستير التربية في مناهج اللغة العربية وطرائق تدريسها، وقد جاء هذا الاختيار استجابة طبيعية لاحتياج مهني حقيقي ورغبة في تعميق معرفتي التربوية والاستمرار في الارتقاء بمهاراتي المهنية.
أما طموحي المستقبلي، فهو الاستمرار في تطوير مناهج عربية وطنية مبتكرة تتوافق مع المعايير العالمية وتلبّي احتياجات الطالب الإماراتي، إضافة إلى مواصلة البحث العلمي والعمل الأكاديمي كمدرّبة وخبيرة في تطوير المناهج، خدمةً للارتقاء بالتعليم وتحقيق رؤية تعليمية مستدامة ومؤثرة.
دعم الدراسة للمسيرة المهنية
كان تخصص الماجستير في مناهج اللغة العربية وطرائق تدريسها نقطة تحول حقيقية في مساري المهني؛ فقد زوّدني بأدوات بحثية ومعرفية عميقة مكّنتني من فهم أوسع للمناهج، وتحليلها، وتصميم استراتيجيات تدريس فعّالة، الأمر الذي أسهم بشكل مباشر في صقل خبراتي التربوية وتطوير أدائي العملي.
ومكّنتني هذه الدراسة من الانتقال من دور المعلمة والمدربة إلى دور القائدة التربوية القادرة على الإشراف على تطوير المناهج الوطنية، وتجويد الممارسات التعليمية، وقيادة المبادرات التربوية على نطاق واسع داخل المدارس، وبذلك أصبح التخصص أحد أهم القرارات المهنية التي دعمت تطوري الوظيفي وأسهمت في بناء مساري الحالي بثقة واقتدار.
المشاركات التطوعية والمجتمعية
شاركتُ خلال مسيرتي المهنية في عدد من المبادرات التطوعية التي هدفت إلى خدمة المجتمع التعليمي ودعم المعلمين والطلبة على حد سواء، فقد قدّمت ورشًا تدريبية خارجية للمعلمين في مدارس مختلفة على مستوى الدولة، مساهمةً في تعزيز تبادل الخبرات وتطوير الممارسات التربوية.
كما شاركتُ حكمًا في مسابقات الهوية الوطنية والمسابقات الأكاديمية الوطنية، حرصًا على دعم المواهب الطلابية وغرس قيم الانتماء والتميز لديهم، وأسهمتُ كذلك في فعاليات ثقافية وتعليمية تخدم الطلبة والمجتمع المدرسي، وتُعزّز الوعي الثقافي والانخراط الإيجابي.
ومن بين المبادرات التي أعتز بها، قيامي بـ تشجيع المعلمين على المشاركة في الجوائز التربوية على مستوى الدولة مثل جائزة خليفة التربوية وجائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز، ودعمهم بإعداد الأدلة والشواهد المهنية التي تُعزّز فرصهم في الفوز، وقد حقق عدد منهم بحمد الله مراكز متقدمة، كما أُولي اهتمامًا كبيرًا بتحفيز الطلبة في مختلف فروع المدارس على المشاركة في المسابقات الوطنية والدولية، وقد أحرز الكثير منهم المراكز الأولى، وهو ما أعتبره ثمرة للعمل الجماعي والتوجيه والدعم المتواصل.
دور الخريج تجاه الجامعة والمجتمع
أؤمن أن دور الخريج يمتدّ إلى ما بعد التخرّج، فهو يمثل جامعته في كل خطوة من خطواته المهنية، ومن هذا المنطلق، أحرص دائمًا على أن أكون سفيرة لجامعة العين من خلال التميز في عملي، والمساهمة في تطوير التعليم، واستثمار المعرفة والمهارات التي اكتسبتها خلال رحلتي الأكاديمية، كما أرى أن على الخريج ردّ الجميل لجامعته عبر دعم طلبتها، والمشاركة في فعالياتها، ونقل خبراته لخدمة المجتمع الأكاديمي، أما على مستوى المجتمع، فيتجلى دور الخريج في الإسهام الإيجابي في التنمية التعليمية والثقافية، ودعم المبادرات التي تعزز الهوية والمعرفة، ليكون مؤثرًا وفاعلاً في بناء جيل واعٍ ومتعلم.
التوازن بين الحياة العملية والشخصية
أؤمن بأن تحقيق التوازن بين الحياة العملية والشخصية هو مفتاح الاستمرار والنجاح في أي مسار مهني، ولذلك أحرص على إدارة وقتي بوعي من خلال تحديد الأولويات وتوزيع المهام بما يضمن إنجاز العمل دون الإخلال بالجانب الأسري والاجتماعي والصحي، كما أخصص وقتًا للراحة والتأمل وممارسة الأنشطة التي تمنحني طاقة إيجابية، الأمر الذي يساعدني على العودة للعمل بذهن صافٍ وقدرة أعلى على العطاء، هذا التوازن لم يكن رفاهية، بل هو جزء أساسي من قدرتي على مواصلة رحلتي المهنية بكفاءة ومرونة، والمحافظة على جودة أدائي ومساري القيادي في تطوير التعليم.
الإنجازات والجوائز
بوصفي قائدة تربوية في مجال تطوير المناهج الوطنية، أسهمتُ في تحقيق إنجازات نوعية تمثّلت في قيادة تطوير المناهج وضبط جودة التعليم عبر مدارس الإمارات الوطنية، ورفع جاهزية المدارس للوصول إلى تقدير "امتياز" في التفتيش الخارجي من خلال منهجيات تطوير واضحة ومؤشرات أداء دقيقة، كما تولّيت تمثيل قسم المناهج الوطنية في مؤتمرات ومسابقات تربوية كبرى، وأسهمت في تمكين الكوادر التعليمية عبر دعم مشاركاتهم في الجوائز الوطنية، مما أثمر فوز عدد من المعلمين، وإلى جانب ذلك، قمتُ بتعزيز ثقافة التميّز بين الطلبة، فحقق الكثير منهم مراكز أولى في مسابقات محلية ودولية، وهو ما يعكس نهجًا قياديًا يركّز على صناعة الأثر وتوجيه الجهود نحو تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة.
ركائز النجاح للطالب والخريج
أؤمن أن نجاح الطالب والخريج يقوم على مجموعة من الركائز الأساسية التي أثبتت التجربة أنها تصنع الفارق في المشوار الأكاديمي والمهني، تبدأ هذه الركائز بـ امتلاك شغف حقيقي للتعلم، فالشغف هو البوصلة التي تدفع الطالب لاكتشاف قدراته وتطوير ذاته، يلي ذلك الالتزام والمثابرة؛ فالتفوق لا يتحقق بالصدفة، بل عبر الجهد المستمر والانضباط في اكتساب المعرفة وصقل المهارات.
كما تُعد مهارات التفكير الناقد والبحث والتحليل ركيزة لا غنى عنها للنجاح، فهي تمكّن الطالب والخريج من فهم المحتوى بعمق، واتخاذ قرارات واعية، والتعامل مع تحديات سوق العمل بثقة، ويضاف إلى ذلك أهمية الاستفادة من فرص التدريب والتطوير، والانخراط في المبادرات التعليمية والمجتمعية التي توسع الخبرة وتبني الشخصية المهنية.
وأخيرًا، فإن المرونة الذهنية والتكيف مع التغيير- خاصة في ظل التحول الرقمي- هي ما يجعل الخريج قادرًا على مواصلة النجاح في بيئة عمل متجددة، فعندما يجمع الطالب بين المعرفة والقيم والمهارات والسلوكيات الإيجابية، يصبح قادرًا على تحقيق التميز وصناعة أثر حقيقي في مجتمعه ووطنه.
كلمة أخيرة للخريجين
أود أن أقول لكل خريج وخريجة: إن رحلتكم الحقيقية تبدأ اليوم، وإن ما اكتسبتموه من علم وخبرة في مقاعد الدراسة هو الأساس، لكن ما تصنعونه من التزام وطموح وعمل مستمر هو ما سيحدد مساركم القادم. تمسّكوا بالشغف، وواصلوا التعلم، وكونوا صُنّاع أثر أينما حللتم. اجعلوا من نجاحكم امتدادًا لنجاح جامعتكم، وكونوا خير سفراء لها بأخلاقكم وتفوقكم وإنجازاتكم، وتذكّروا أن التميز ليس محطة، بل مسار دائم، وأن المستقبل ملكٌ لمن يهيئ نفسه له بالمعرفة والإصرار. أتمنى لكم طريقًا مليئًا بالإنجازات والإبداع، وأن تكونوا دائمًا مصدر فخر لوطنكم وجامعتكم وأسركم.