د. شيخة الحمودي تُجسّد الحضور قبل الكلام.. من جامعة العين إلى التميز القيادي
لقاء خاص مع: د. شيخة سليمان العضب الحمودي
١. عرّفينا بنفسك؟
الدكتورة شيخة سليمان العضب الحمودي، إماراتية، خريجة جامعة العين بتقدير امتياز، وحاصلة على ماجستير إدارة الأعمال، ودرجة الدكتوراه في القيادة الاستراتيجية والمسؤولية الاجتماعية. أمتلك أكثر من خمسة عشر عاماً من الخبرة بين القطاعين الحكومي والخاص، ومدربة ومستشارة معتمدة دولياً. أعمل في ثلاثة مسارات متكاملة: القيادة الاستراتيجية والموارد البشرية، والبروتوكول الدبلوماسي والسنع الإماراتي، وجودة الحياة والصحة النفسية في الأزمات والطوارئ.
وبعيداً عن المنصات والقاعات، أنا عاشقة للفن؛ طالبة في بيت العود العربي بقيادة الأستاذ الكبير نصير شمة، وعازفة على آلة القانون، ورسامة هاوية. ويجمع كل ذلك مبدأ أعيشه: "الحضور قبل الكلام".
٢. حدثينا عن ذكريات دراستك، وما تمثله لك جامعة العين؟
جامعة العين بالنسبة لي ليست مجرد مرحلة دراسية مضت، بل هي نقطة البداية التي تشكّلت فيها ملامح شخصيتي المهنية. أذكر قاعات المحاضرات، ونقاشات الزملاء، وأساتذة لم يكتفوا بنقل المعلومة بل علّمونا كيف نفكر ونسأل ونبحث. وأذكر ليالي الاجتهاد التي كانت ثمرتها التخرج بتقدير امتياز. في تلك المرحلة تعلمت أن الشهادة بداية الطريق لا نهايته، وأن الانتماء لمؤسسة علمية مسؤولية نحملها معنا أينما ذهبنا.
٣. أخبرينا عن مسيرتك الدراسية؟
بدأت رحلتي الأكاديمية في جامعة العين، حيث تخرجت عام 2018 بدرجة البكالوريوس في إدارة الأعمال - تخصص نظم المعلومات الإدارية - بتقدير امتياز، وكان ذلك التفوق دافعاً لي لمواصلة الطريق. فنلت درجة الماجستير في إدارة الأعمال، ثم تُوّجت المسيرة عام 2025 بالدكتوراه في القيادة الاستراتيجية والمسؤولية الاجتماعية، لأنني أدركت أن القيادة الحقيقية لا تنفصل عن أثرها في المجتمع.
ولم يتوقف التعلم عند الدرجات الأكاديمية، فحصلت على اعتماد المدرب الدولي (TOT–BITA)، شهادة المدرب الدولي "المدرب الذكي"، وشهادة المدقق الرئيسي ISO 9001:2015، وأتممت برنامج DTI24، ودست أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيلة في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي. فالتعلم بالنسبة لي أسلوب حياة لا مرحلة عمرية.
٤. سبب اختيار تخصصك وما طموحاتك المستقبلية؟
اخترت نظم المعلومات الإدارية لأنه يجمع بين عالمين: الإدارة بما فيها من قيادة وتخطيط وفهم للإنسان، والتقنية بما تحمله من أدوات تصنع القرار وتسرّع الإنجاز. كنت أرى مبكراً أن المؤسسة الناجحة هي التي تحسن توظيف المعلومة في خدمة الإنسان، واليوم مع ثورة الذكاء الاصطناعي يتأكد لي صواب ذلك الاختيار.
أما طموحي فهو أن أُسهم في بناء جيل من القيادات الإماراتية يجمع بين الكفاءة المهنية والهوية الأصيلة، ويحمل قيم السنع الإماراتي إلى المحافل المحلية والدولية بثقة واعتزاز.
٥. حدثينا عن مسيرتك المهنية؟
امتدت مسيرتي لأكثر من خمسة عشر عاماً بين القطاعين الحكومي والخاص، شغلت خلالها مناصب مديرة بمصانع BVC وGRP للأنبيب في أبوظبي، حيث تعلمت كيف تُدار المؤسسات من الداخل، وكيف يصنع الاهتمام بالإنسان فرقاً حقيقياً في الإنتاجية والولاء.
ومع تراكم الخبرة، اتجهت إلى التدريب والاستشارات، فطورّت ورشاً متخصصة مثل "البروتوكولات الصامتة"، "الحضور قبل الكلام"، و"من الظل إلى الأثر"، إلى جانب اهتمامي بجودة الحياة والصحة النفسية في الأزمات والطوارئ، إيماناً بأن تماسك الإنسان في الشدائد هو أساس تماسك المؤسسة والمجتمع. واليوم أُكرّس وقتاً لصناعة المحتوى المعرفي، ومنه سلسلة "أسرار البروتوكول"، لأنقل الخبرة من قاعات التدريب إلى جمهور أوسع.
٦. كيف دعمت دراستك في جامعة العين مسيرتك المهنية؟
منحتني جامعة العين ما هو أعمق من المعرفة التخصصية؛ منحتني المنهجية. تعلمت فيها التفكير التحليلي، والعمل ضمن فريق، والانضباط في إدارة الوقت والمسؤوليات، والجرأة على التعبير عن الرأي. هذه المهارات رافقتني في كل محطة، من إدارة الموارد البشرية إلى الوقوف أمام المتدربين والجمهور. كما غرزت فيّ الجامعة حب التعلم المستمر، وهو ما دفعني إلى مواصلة الدراسات العليا حتى الدكتوراه.
٧. ما أبرز التحديات التي تواجهك في مرحلتك الحالية؟
أبرز التحديات هو تحويل المعرفة المتخصصة العميقة إلى محتوى بسيط وجذاب دون أن يفقد قيمته العلمية، في زمن تتسارع فيه المنصات ويقصر فيه انتباه الجمهور. ومن التحديات أيضاً تصحيح الصورة النمطية عن البروتوكول والإتيكيت بوصفهما شكليات، بينما هما في جوهرهما احترام وذكاء اجتماعي وقيم إنسانية أصيلة. وأحرص دائماً على الموازنة بين الانتشار والمصداقية، فالأثر الحقيقي عندي أهم من الأرقام.
٨. ما أبرز الإنجازات أو الجوائز التي حققتها منذ تخرجك؟
نلت بفضل الله جوائز وتكريمات كثيرة يصعب حصرها، وأعتز بكل واحدة منها لأنها تمثل محطة من محطات العطاء. ومن أقرب الإنجازات إلى قلبي حصولي على الدكتوراه في القيادة الاستراتيجية والمسؤولية الاجتماعية، وتأسيس هوية معرفية تحت مظلة "الحضور قبل الكلام"، وتطوير إطار "صُناع الرقمي" الذي يربط قيم السنع الإماراتي بمعايير الحضور المهني الحديث.
كما أفخر بعضويتي في عدد من الجمعيات والفرق والمراكز التدريبية المتخصصة في القيادة، ومنها نادي Emirates Leadership Toastmasters.
لكن التكريم الأصدق عندي هو رسالة من متدرب أو متابع يخبرني أن كلمة أو ورشة غيّرت شيئاً في حضوره وثقته بنفسه.
٩. ما دور الخريج تجاه الجامعة، ودوره في خدمة المجتمع؟
الخريج سفير دائم لجامعته؛ فكل نجاح يحققه هو شهادة حيّة على جودة ما تلقاه. ودوره تجاه الجامعة أن يبقى قريباً منها، يشارك خبرته مع الطلبة، ويفتح لهم أبواب الإرشاد والتدريب، ويسهم في ربطهم بسوق العمل.
أما تجاه المجتمع، فالعلم أمانة، ولا تكتمل قيمته إلا حين يتحول إلى أثر. وهذا جوهر المسؤولية الاجتماعية التي تخصصت فيها: أن يسأل الخريج نفسه دائماً ماذا أضاف لوطنه ومجتمعه، لا ماذا أخذ منهما.
١٠. كيف يمكن تحقيق التوازن بين الحياة العملية والشخصية والصحية والثقافية؟
التوازن في تجربتي ليس تقسيماً متساوياً للوقت، بل وعي بالأولويات. أحرص على التخطيط الأسبوعي، وأضع للصحة والعائلة مواعيد ثابتة كما أضع مواعيد العمل، لأن ما لا يُجدول لا يُنجز.
والفن هو مساحتي الخاصة لاستعادة التوازن؛ ففي دروسي ببيت العود العربي، وعلى أوتار القانون، وأمام لوحة أرسمها، أعود إلى نفسي. وقد علّمني القانون درساً في القيادة أيضاً: أن الانسجام لا يتحقق إلا حين يُضبط كل وتر في موضعه، وكذلك الحياة. فالإنسان لا يستطيع أن يقود أو يُلهم، والعناية بالنفس شرط للاستمرار والعطاء.
١١. ما أكثر الكتب تأثيراً في حياتك؟
القراءة رفيقتي الدائمة، وأجد متعتي الخاصة في الروايات؛ فالرواية تمنحني ما لا تمنحه الكتب المتخصصة: أن أعيش حيوات أخرى، وأفهم الإنسان من الداخل، وأرى العالم بعيون مختلفة. وهذا في جوهره درس في القيادة والتعاطف معاً.
ومن أحدث ما استوقفني كتاب "واجهرهم هجراً جميلاً" للكاتب الإماراتي، والذي كان حاضراً في معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2026. ويسعدني دائماً أن أرى القلم الإماراتي يقدم للقارئ عمقاً وجمالاً يليق بثقافتنا.
١٢. ما الركائز التي يجب أن يرتقي إليها أو يرتكز عليها الطالب أو الخريج؟
أوجزها في خمس ركائز:
- الهوية: أن يعتز بقيمه وسنعه الإماراتي، فهي رأس ماله الذي لا يُقدّر بثمن.
- التعلم المستمر: الشهادة تفتح الباب، لكن التطوير الدائم هو ما يُبقيك في الداخل.
- الحضور: طريقة دخولك وتحيتك وإصغائك تتحدث عنك قبل أن تتكلم.
- المرونة: التكيف مع المتغيرات، ومنها أدوات الذكاء الاصطناعي، بدل الخوف منها.
- الأثر: أن يسأل نفسه دائماً عن القيمة التي يضيفها للآخرين.
١٣. كلمة أخيرة لخريجي الجامعة؟
إلى زملائي وزميلاتي خريجي جامعة العين: أنتم تحملون اسماً له مكانته، فاحملوه بفخر ومسؤولية. لا تستعجلوا النتائج، فالطريق الطويل يصنع الأثر العميق. استثمروا في أنفسكم، وتمسكوا بقيمكم، وتذكروا أن حضوركم يسبق كلماتكم، فاجعلوه حضوراً يليق بكم وبوطنكم.
وكل الشكر لجامعة العين، البيت الأول الذي انطلقت منه الحكاية.
الحضور قبل الكلام